محمد بن جرير الطبري

476

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فذكر عن الحسين بن أبي سعيد ان طارقا الخادم - وكان من خاصه محمد ، وكان المأمون بعد مقدمه اخبره ان محمدا سأله يوما من الأيام وهو محصور ، أو قال في آخر يوم من أيامه ، ان يطعمه شيئا - قال : فدخلت المطبخ فلم أجد شيئا ، فجئت إلى جمره العطارة - وكانت جاريه الجوهر - فقلت لها : ان أمير المؤمنين جائع ، فهل عندك شيء ، فانى لم أجد في المطبخ شيئا ؟ فقالت لجارية لها يقال لها بنان : اى شيء عندك ؟ فجاءت بدجاجه ورغيف ، فأتيته بهما فأكل ، وطلب ماء يشربه فلم يوجد في خزانه الشراب ، فأمسى وقد كان عزم على لقاء هرثمة ، فما شرب ماء حتى اتى عليه . وذكر عن محمد بن راشد ان إبراهيم بن المهدى اخبره انه كان نازلا مع محمد المخلوع في مدينه المنصور في قصره بباب الذهب ، لما حصره طاهر . قال : فخرج ذات ليله من القصر يريد ان يتفرج من الضيق الذي هو فيه ، فصار إلى قصر القرار - في قرن الصراة ، أسفل من قصر الخلد - في جوف الليل ، ثم ارسل إلى فصرت اليه ، فقال : يا إبراهيم ، ا ما ترى طيب هذه الليلة ، وحسن القمر في السماء ، وضوءه في الماء ! ونحن حينئذ في شاطئ دجلة ، فهل لك في الشرب ! فقلت : شانك ، جعلني الله فداك ! فدعا برطل نبيذ فشربه ، ثم امر فسقيت مثله قال : فابتدأت اغنيه من غير أن يسألني ، لعلمي بسوء خلقه ، فغنيت ما كنت اعلم أنه يحبه ، فقال لي : ما تقول فيمن يضرب عليك ؟ فقلت : ما أحوجني إلى ذلك ، فدعا بجاريه متقدمه عنده يقال لها ضعف ، فتطيرت من اسمها ، ونحن في تلك الحال التي هو عليها ، فلما صارت بين يديه ، قال : تغنى ، فغنت بشعر النابغة الجعدي : كليب لعمري كان أكثر ناصرا * وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم قال : فاشتد ما غنت به عليه ، وتطاير منه ، وقال لها : غنى غير هذا ، فتغنت :